محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

26

الاعمال الصوفية

ودلاليات السطوح . لو بدأ العارف من مدخل ما لا يتناهى ، ومن جهة نظر الحكمة المرتبة ، لا الفلسفة الطبيعية ، لتوصل إلى حديث ذلك اللسان اللانهائي ، حيث يختفي تحت قناع المظهر ألف مظهر . التوله والسياحة ليس من الصعب تقدير أن التلمساني في وصفه النفّريّ بقوله : « كان مولها لا يقيم بأرض ، ولا يتعرف إلى أحد » إنما يستنتج هذه الملاحظة من التعليقات الواردة في نهايات كتب النفّريّ وحواشيها ، حيث يشير النص إلى تنقله بين البصرة والنيل ، وهي مرة أخرى : نيل الحلة ، لا نيل مصر كما توهمه التلمساني ، ونفر وواسط . . . إلخ . غير أن التلمساني يضع يده على واقعة مهمة في حياة النفّريّ ، وهي كونه « سائحا » جوالا لا يستقرّ بأرض . وحين يستعمل كلمة « موله » فهو يعني بها مفهوم « التوله » الذي يشرحه المتصوفة بحكاية يسردونها عن الشبلي يكون فيها « المولّه » « من هام بحب الله ، وتاه في طلبه ، وتوله بذكره ، ومات باسمه » « 22 » . وهنا يجب التمييز بين عدة مفاهيم متقاربة في دلالتها ، ولكنها مختلفة تاريخيا . فالانقطاع أو العكوف في زاوية أو رباط أو خانقاه مفهوم متأخر شاع بعد رسوخ التصوف كمؤسسة اجتماعية بتأثير من ابن سبعين وابن عربي . وهو يختلف عن الرحلة في طلب العلم ، كما يختلف عن السياحة . والسياحة والتوله هما الرحلة للرحلة بغية ترويض النفس ، لا في طلب الشيخ ، أو الاستقرار في رباط . ولعلّ أشهر الأمثلة على السياحة بعد النفّريّ يتوفر في رحلة الغزالي الصوفية بعد تخلّيه عن التدريس في نظامية بغداد ، وتجواله في الشام والحجاز ، وسياحته عشر سنوات ، تمكن فيها من كتابة أهم أعماله الصوفية : « إحياء علوم الدين » . والواقع أنه قدّم لنا في الربع الأخير من « الإحياء » وفي فصل « الزهد » تحديدا ما يمكن اعتباره التفسير النظري لهذه « السياحة » . وهو يعرّف « الزهد » بأنه « ترك ما سوى الله » بالانصراف عن الدنيا انصرافا كاملا عن طريق قمع الذات بالتخلي عن ستة شواغل هي المطعم والملبس والمسكن والأثاث والمنكح والمال . ويعود في فصل « التوكل » ليشير إلى أولى درجاته ، وهي مقام الخواص ونظرائه ، وهو « الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعا وما فوقه ، أو تيسير حشيش له

--> ( 22 ) خلاصة شرح ابن عجيبة ، المطبعة المحمودية بمصر ، سنة 1319 ه ، ص 13 .